اسماعيل بن محمد القونوي
84
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم ) أشار به إلى أن ما قبله لما كان لإثبات البعث الذي يشهد له العقل ناسب نفي العلم عن الناس ممن كفر به إشارة إلى أنهم لو كانوا عقلاء تفكروا في آيات اللّه تعالى ولم يجادلوا فيها ولذا لم يذكر مفعول له بل عومل معاملة اللازم وقيد الأكثر لكثرة الكافرين ثم أشار إلى أنهم عمي بقوله : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى [ فاطر : 19 ] الآية . قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : آية 58 ] وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) قوله : ( الغافل والمستبصر ) أي الأعمى مستعار للغافل عن إبصار الآيات والبصير مستعار للمستبصرين ذوي بصيرة يتأملون في الدلائل وتقديم الأعمى لأنه أمس بالمقام وأشد ملائمته لما قبله من نفي العلم والنظر ثم قدم الذين آمنوا وعملوا الصالحات لمجاورة البصير ولشرافتهم والمراد بالغافل الكافر وبالمستبصر المؤمن كما صرح به في سورة فاطر . قوله : ( والمحسن والمسئ ) والمحسن تفسير للذين آمنوا ليحسن التقابل وما ذكر في النظم الكريم تفسير المحسن فعلى هذا تفسير المسئ الذين كفروا وعصوا فأقيم تفسير أحد المتقابلين مقامه اهتماما بشأنه وهو قريب من صنعة الاحتباك ولم يعكس إذ الفضل للمتقدم . قوله : ( فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت وهي فيما بعد البعث ) ولما نفي الاستواء علم أن لهم حال يظهر فيها التفاوت وعدم المساواة وذلك في دار الجزاء لا في الدنيا ولذا قال فيما بعد البعث والقرينة ذكره بعد إقامة الحجة على وقوع البعث وأما في الدنيا فلا يظهر التفاوت فيها . قوله : ( وزيادة لا في المسئ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة ) أي العطف يغني عن ذكر لا لكنه زيد لأن المقصود أي من نفي الاستواء نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة وهذا بحسب اللغة يحتمل أن يكون للمسيء فضل وكرامة لكن دون ما للمحسن وأن لا يكون له فضل وكرامة أصلا وهو المراد هنا وأمثاله بحسب العرف ولو لم يعد النفي ربما ذهل عنه فظن أنه ابتداء كلام ولو قيل ولا قوله : لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم أي لا ينظرون ولا يتأملون في خلق السماوات والأرض حتى يستدلوا به على أن من قدر على خلق هذه الأجسام العظام قادر على البعث والإعادة . قوله : وزيادة لا في المسئ يريد بيان وجه زيادة كلمة لا المذكورة للنفي في طرف المسئ دون المحسن حيث لم يقل ولا الذين آمنوا وهو موضع زيادتها ظاهرا إذ يقال ما جاءني زيد وعمرو ولا بكر ولا خالد إلا لنكتة فالنكتة هنا هي أن المقصود نفي مساواة المسئ للمحسن فيما للمحسن من الفضل والكرامة .